جليلة وجولييت

ecole6

المصطفى نفراوي

جولييت في واجهة مقهى بالشارع العام تدون ما رصدته من حالات سافرات تخرق بعمق كل الأعراف والحقوق الدولية للإنسان.أطفال في عمر الزهور يكدون من اجل اقتسام لقمة العيش مع أسرهم.وآخرون يتسكعون في الشوارع ينفخون في أكياس بلاستيكية بيضاء داخلها مطلي بمادة مخدرة . وآخرون يحملون صكوكا خشبية عرفت من خلالها أنهم اختصاصيون في تلميع أحذية الكبار..كل هذا في بلد اعتقدت أن عدد الجمعيات الحقوقية المتواجدة فيه سيكرس مبادئ الحرية والكرامة لشعب أصبحت متيمة بهواه .وضعت قلمها يتنفس الصعداء ….جابت ببصرها طول الشارع العام لعله يلتقط واحدا من أطفال السيجارة كي تبتاع منه لفافتها المفضلة وفي نفس الوقت تجري معه حوارا بعربتيها المتلعثمة..لكن عينيها اصطادت شيئا آخر لم يكن في الحسبان. طفلة تحمل على متنها محفظة تكاد تتمزق من كثرة امتلاءها..تتمايل في مشيتها وظهرها مقوس إلى الأمام,تبدو من بعيد كجندي يحمل على ظهره جرابا مملوءا بالذخيرة والعتاد الحربي.وقفت جولييت مشدوهة مشدودة أمام هذا المنظر الذي لم تحظ عيناها برؤيته أبدا,سامحت في كوب قهوتها وفي ما تبقى من الصرف للنادل وأسرعت نحو الطفلة كي تطلع على هذه الحالة الشاذة . قبل أن تصل إليها ,استحضرت ذاكرتها صورة لامرأة في سفح جبل تحمل على ظهرها كومة من الحطب.كانت تتمنى دوما أن تصادفها لتلتقط معها صورة فتكون أكثر تعبير, امرأتان من نفس العصر واحدة تعيشعصرها والثانية تكاد تكون بدائية..

femmes33

حين وصولها أمام الطفلة , بدت لها علامات الشقاء على محياها ..قبلتها ثم سألتها بعربتيها الضعيفة

-ما اسمك؟

بنبرة الأطفال البريئة أجابتها:
-اسمي جليلة.
-يا للصدفة !اسمي يشبه اسمك.
-حقا ؟وما اسمك أنت ؟
-اسمي جولييت.جئت لأطلع على أحوال الأطفال ببلدكم .ماذا تحملين على ظهرك؟
-هذه محفظتي.
أدركت جولييت أن الطفلة أرهقها ثقل المحفظة,نزعتها من على ظهرها وقالت :
سأعينك على حملها حتى نصل معا باب المدرسة, أتوافقين؟

-طبعا أوافق.

ecol

تابعتا سيرهما ,جولييت تتمعن باستغراب في المحفظة متذكرة أيام الصبا حين كانت تتوجه إلى مدرستها ممتطية الحافلة ولا تحمل معها إلا فرحتها ..أما جليلة ,فقد استقام ظهرها وأحست بخفة لا مثيل لها فانطلقت كحمل يصاحب أمه ,تركد وتلهو وتنشد إلى حين وصولهما إلى باب المدرسة. سلمت جولييت المحفظة إلى صديقتها,وضعتها على ظهرها فتقوس, وولجت الساحة تتمايل في مشيتها .ودعتها جولييت وعيناهـــــــــــــا مغرورقتان بالدموع.

Related posts

Leave a Comment